سيد محمد طنطاوي

168

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

فالجملة الكريمة تقرر جانبا من فضل اللَّه - تعالى - على عباده ، ومن رحمته بهم . . والفاء في قوله - تعالى - : * ( فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ) * للإفصاح ، والمراد بالقراءة الصلاة ، وعبر عنها بالقراءة ، لأنها من أركانها . . أي : إذا كان الأمر كما وضحت لكم ، فصلوا ما تيسر لكم من الليل . قال الآلوسي : قوله : * ( فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ) * أي : فصلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل ، وعبر عن الصلاة بالقراءة كما عبر عنها بسائر أركانها ، وقيل : الكلام على حقيقته ، من طلب قراءة القرآن بعينها وفيه بعد عن مقتضى السياق . ومن ذهب إلى الأول قال : إن اللَّه - تعالى - افترض قيام مقدار معين من الليل ، لقوله : قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ، نِصْفَه . . . إلخ . ثم نسخ بقيام مقدار ما منه ، في قوله : * ( فَتابَ عَلَيْكُمْ . فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ . . . ) * فالأمر في الموضعين للوجوب ، إلا أن الواجب أولا كان معينا من معينات . وثانيا كان بعضا مطلقا ، ثم نسخ وجوب القيام على الأمة مطلقا بالصلوات الخمس . ومن قال بالثاني . ذهب إلى أن اللَّه - تعالى - رخص لهم في ترك جميع القيام للصلاة ، وأمر بقراءة شيء من القرآن ليلا ، فكأنه قيل : فتاب عليكم ورخص لكم في الترك ، فاقرؤا ما تيسر من القرآن ، إن شق عليكم القيام . . « 1 » . وقال الإمام ابن كثير : وقوله : * ( فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ) * أي : من غير تحديد بوقت ، أي : لكن قوموا من الليل ما تيسر ، وعبر عن الصلاة بالقراءة ، كما قال في آية أخرى : ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ أي : بقراءتك ولا تُخافِتْ بِها . وقد استدل الأحناف بهذه الآية على أنه لا يتعين قراءة الفاتحة في الصلاة ، بل لو قرأ بها أو بغيرها من القرآن ، ولو بآية . أجزأه واعتضدوا بحديث المسئ صلاته الذي في الصحيحين ، وفيه : « ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن » . وقد أجابهم الجمهور بحديث عبادة بن الصامت ، وهو في الصحيحين - أيضا - أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب » وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ، أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج . . غير تمام » وفي صحيح ابن خزيمة عن أبي هريرة مرفوعا : « لا تجزئ صلاة من لم يقرأ بفاتحة الكتاب » « 2 » .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 29 ص 111 . ( 2 ) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 384 .